تسليم حكم التحكيم وسريته
يُشكّل حكم التحكيم الخاتمة الإجرائية والموضوعية التي تُنهي الخصومة بين الأطراف، غير أن فعاليته القانونية لا تكتمل إلا بتسليمه إلى الخصوم وفق إجراءات منظمة وفي إطار من السرية التي تميّز التحكيم عن القضاء العادي ومن هنا، عالج المشرّع العماني هذه المسألة من خلال المادة (44) من قانون التحكيم، حيث نظّم فيها أمرين جوهريين: أولًا، تسليم الحكم للطرفين خلال ميعاد محدد، وثانيًا، منع نشر الحكم إلا بموافقة الطرفين، حفاظًا على خصوصية العلاقة التعاقدية. وتُعد هذه وضمانا" لتحقيق العدالة في إطار من الخصوصية والانضباط الإجرائي.
أولًا: الاطار القانوني لتسليم حكم التحكيم وسريته
١. تلتزم هيئة التحكيم بتسليم صورة من حكم التحكيم، موقّعة من المحكمين الذين شاركوا في إصدار القرار، إلى كل من طرفي التحكيم، وذلك خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدور الحكم.
٢. يُحظر نشر حكم التحكيم، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، إلا إذا اتفق الطرفان صراحةً على السماح بذلك.
ثانيًا: التحليل القانوني للمادة (44)
1. وجوب تسليم الحكم خلال مدة محددة
حدّد المشرّع العماني مهلة ثلاثين يومًا لتسليم الحكم إلى الطرفين، وهو ما يُحقق:
الاستقرار القانوني من خلال العلم الرسمي بالحكم.
بدء سريان المهل القانونية للطعن أو التنفيذ.
يُشترط أن تكون النسخة موقّعة من المحكمين الموافقين، لضمان صحة الحكم وحجيته.
2. سرية حكم التحكيم
يُكرّس النص مبدأً أساسيًا في التحكيم هو السرّية، فلا يجوز نشر الحكم دون موافقة متبادلة من الطرفين وذلك من اجل حماية المصالح التجارية والبيانات الحساسة وضمان خصوصية الإجراءات بما يميّز التحكيم عن القضاء العام.
بالإضافة الى تعزيز ثقة المستثمرين والأطراف في نظام التحكيم كأداة بديلة وآمنة لتسوية المنازعات بالطرق السلمية.
ثالثًا: المقارنة مع قوانين التحكيم في دول مجلس التعاون الخليجي
1. الإمارات – القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018
تنص المادة (44) على تسليم صورة من الحكم موقعة إلى الطرفين، دون تحديد مهلة محددة.
أما المادة (48)، فتقرّر أن سرية التحكيم تشمل الجلسات والمداولات والحكم، ولا يجوز الإفصاح عنها إلا بموافقة الطرفين أو تنفيذًا لحكم قضائي.
2. السعودية – نظام التحكيم 1433هـ
لا ينص النظام على مدة زمنية لتسليم الحكم، ولكنه ينص في المادة (49) على أن "يُسلَّم الحكم للطرفين كتابةً وموقعًا من المحكمين".
لا يوجد نص صريح عن سرية الحكم، لكن المبادئ العامة للتحكيم تكرّس ذلك، ويجري العمل به ضمنيًا.
3. البحرين – قانون التحكيم التجاري الدولي 1994 (المعدل 2015)
يتبع القانون البحريني نهج قانون الأونسيترال النموذجي، ويشترط تسليم نسخة من الحكم موقعة إلى الطرفين دون تحديد مهلة.
السرية مكرسة ضمن المبادئ العامة، وتُعتبر أحد أسس التحكيم التجاري في البحرين.
4. الكويت – قانون التحكيم رقم 11 لسنة 1995
لم ينص على مهلة زمنية محددة لتسليم الحكم.
لم يرد نص صريح بشأن منع نشر الحكم أو اشتراط موافقة الطرفين
عليه وبناء لما تقدم من تحليل وتفسير لنص المادة (44) من قانون التحكيم العُماني يتبين وضوح تشريعي متقدم بأهمية
التسليم للحكم التحكيمي ضمن مهلة محددة، باعتبارها تؤسس لبدء آثار الحكم (التنفيذ أو الطعن).
كذلك خصوصية نشر الحكم والقيود المفروضه عليه، باعتبارها تمس خصوصية العلاقة التعاقدية والمصالح الاستراتيجية للطرفين بما يتوافق مع خصائص التحكيم من سرعة وسرية وبقاء العلاقات الودية
تجدر الاشارة الى أن المشرّع العُماني قد تفرّد عن نظرائه في دول مجلس التعاون بتحديد مدة زمنية إلزامية (30 يومًا) لتسليم الحكم، ما يُحقق الانضباط الإجرائي ويمنع التراخي في تسليم الأحكام، وهي نقطة تستحق أن يُحتذى بها خليجيًا.
كما أن التنصيص الصريح على منع النشر إلا بموافقة الأطراف يُعزّز ثقة المستثمرين في نظام التحكيم، ويعكس مراعاة الطبيعة الخاصة للنزاعات التجارية، خاصة في بيئة خليجية تتسم بخصوصية العلاقات الاقتصادية والعائلية أحيانًا.
المستشار الدكتور ناجي سابق # المحكم الدولي ناجي سابق # الدكتور ناجي سابق#سرية حكم التحكيم # حكم التحكيم # الحكم التحكيمي#المحكم# التحكيم التجاري# تسليم حكم التحكيم #