سلطة هيئة التحكيم في التعامل مع المسائل الخارجة عن اختصاصها .
لما كان التحكيم وسيلة بديلة عن القضاء للفصل في المنازعات، ولما كانت حدوده تتوقف عند نطاق الاتفاق بين الأطراف، متى طرأت خلال سير التحكيم مسائل تخرج عن اختصاص هيئة التحكيم أو شُكك في صحة المستندات المقدمة من خلال الطعن بالتزوير أو وجود شبهة جنائية، فإن الهيئة تواجه معضلة إجرائية من حيث توقيف الاجراءات التحكيمية او اكمالها وفقا" لإرتباط التزوير او الشبهة الجنائية في جوهر النزاع او عدمه وذلك حرصا" على مصلحة الاطراف واصدار الحكم المنهي للخصومة بالسرعة الممكنة بما يتناسب مع خصائص التحكيم والقانون الواجب التطبيق.
أولًا: الاطار القانوني
إذا عُرضت أثناء إجراءات التحكيم مسألة خارجة عن ولاية هيئة التحكيم، أو طُعن بتزوير مستند مقدم إليها، أو تم اتخاذ إجراءات جنائية بشأن واقعة تزوير أو جريمة أخرى، كان للهيئة أن تقرر:
الاستمرار في نظر النزاع إذا رأت أن الفصل في هذه المسائل ليس لازمًا لحسم موضوع التحكيم؛
أما إذا كان الفصل فيها ضروريًا للفصل في موضوع التحكيم، توقّف الإجراءات إلى حين صدور حكم نهائي من الجهة المختصة.
ويترتب على وقف الإجراءات وقف سريان المهلة المحددة لإصدار الحكم التحكيمي.
ثانيًا: التحليل القانوني لأحكام المادة (46)
1. تحديد ما يخرج عن ولاية هيئة التحكيم
يشمل ذلك كل ما لا يدخل ضمن اتفاق التحكيم، مثل:
مسائل الأحوال الشخصية.
الوقائع الجنائية.
دعاوى التزوير الأصلية.
فإذا عُرضت إحدى هذه المسائل، يجب التحقق مما إذا كانت مرتبطة جوهريا" وموضوعيا" يؤثر في النزاع القائم بين الاطراف.
2. حالات الطعن بالتزوير والادعاء الجنائي
يشمل ذلك:
الطعن بالتزوير في مستندات حاسمة قدمت في التحكيم.
اتخاذ النيابة العامة إجراءات جنائية بشأن تزوير أو جريمة تتصل بالمنازعة.
وعليه يطرح سؤال عن مدى متابعة الهيئة للإجراءات حيت يجب عليها دراسة الموضوع بدقة في جلسة خاصة وتتخذ القرار المناسب بإحالة الموضوع الى القضاء المختص وفقا" للاصول وهنا تتوقف مدة التحكيم لحين الفصل بالموضوع ، او اكمال الاجراءات بشكل طبيعي بشرط ألا يكون الفصل في هذه الوقائع شرطًا جوهريًا للفصل في موضوع التحكيم اومرتبطا" بموضوعه الاساسي
3. السلطة التقديرية لهيئة التحكيم
الهيئة مخوّلة بتقدير ما إذا كانت تلك المسائل:
لازمة للفصل في النزاع، فتُوقف الإجراءات.
غير لازمة، فتمضي في نظر الدعوى.
هذه السلطة التقديرية مشروطة بالتسبيب، إذ يجب أن توضح الهيئة أسباب استمرارها أو توقّفها.
4. أثر الإيقاف على مدة التحكيم
يُوقف تلقائيًا سريان المهلة القانونية لإصدار الحكم (مادة 45).
هذا مهم جدًا لمنع بطلان الإجراءات أو انتهاء المهلة دون قرار.
ثالثًا: المقارنة مع قوانين التحكيم في دول مجلس التعاون الخليجي
1. الإمارات – القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018
لم تتضمن نصًا صريحًا مماثلًا للمادة (46)، لكن المادة (23) تجيز للمحكمة المختصة اتخاذ تدابير تحفظية عند الضرورة، وقد فسرت بعض السوابق أن الهيئة يمكنها إيقاف التحكيم إن عُرضت مسألة جنائية.
2. السعودية – نظام التحكيم 1433هـ
لا يوجد نص مباشر يتناول الوقائع الجنائية أو الطعن بالتزوير.
لكن المادة (40) تُجيز لهيئة التحكيم وقف الإجراءات لوجود عائق مؤقت.
3. البحرين – قانون التحكيم التجاري الدولي 1994 (تعديل 2015)
يتبع قانون الأونسيترال النموذجي، ولا يحتوي على نص مباشر، لكنه يُجيز وقف الإجراءات إذا طرأت عوائق خارجة عن المسار التحكيمي وفقا" للقانون
4. الكويت – القانون رقم 11 لسنة 1995
لم يتناول القانون صراحة موضوع الطعن بالتزوير أو الجرائم أثناء التحكيم.
لكن القضاء الكويتي يقبل بوقف التحكيم مؤقتًا عند وجود واقعة جنائية متصلة.
عليه وبناء لما تقدم تُظهر المادة (46) من قانون التحكيم العماني تنظيمًا دقيقًا لحالات استثنائية قد تهدد استمرارية وفعالية العملية التحكيمية، وتتمثل أبرز ملامح تفوقها في:
تحديد الحالات بوضوح: مسائل خارجة عن الولاية – تزوير – جرائم جنائية.
إعطاء الهيئة سلطة تقديرية مع ضوابط.
ربط قانوني ذكي بين الإيقاف وسريان المهلة القانونية لإصدار الحكم.
وفي المقابل، يتضح أن معظم قوانين التحكيم في دول الخليج إما تفتقر إلى نص مماثل صريح، أو تعتمد على الاجتهاد القضائي لتفسير مدى جواز الإيقاف.
تُعد المادة (46) من قانون التحكيم العماني نموذجًا متقدمًا في التعامل مع الحالات الطارئة التي قد تعترض هيئة التحكيم أثناء نظر النزاع، إذ توازن بين ضرورة عدم تعطيل الإجراءات بلا موجب، وضرورة عدم تجاوز حدود الولاية القضائية لهيئة التحكيم. كما أن النص يمنح حماية إجرائية هامة من خلال وقف سريان الميعاد القانوني حال إيقاف الإجراءات.
المستشار الدكتور ناجي سابق # المحكم الدولي ناجي سابق # الدكتور ناجي سابق # التحكيم التجاري# التحكيم الدولي# التحكيم # التزوير # سلطة هيئة التحكيم # المسائل الجنائية في التحكيم