عدم جواز الطعن في حكم التحكيم
يُعد التحكيم وسيلة بديلة لحل النزاعات تتميز بالسرعة والسرية والفعالية والخصوصية، وقد تبنّت معظم التشريعات الخليجية، ومنها سلطنة عمان، مبدأ نهائية أحكام التحكيم وعدم قابليتها للطعن بطرق الطعن العادية، وذلك تكريسًا لاستقرار التعاملات التجارية وتشجيعًا للاستثمار. وقد عالج المشرّع العماني هذا المبدأ في المادة (52) من قانون التحكيم، التي أرست قاعدة جوهرية تنسجم مع الاتجاهات الحديثة في قوانين التحكيم المقارنة.
يتبين مما تقدم أن المشرّع العماني حظر كليًا الطعن في حكم التحكيم بطرق الطعن المعهودة كالاستئناف أو النقض، مكتفيًا بجعل دعوى البطلان طريقًا استثنائيًا ووحيدًا لمراجعة الحكم التحكيمي في حدوده الضيقة شكليا" فقط وليس موضوعيا" بحيث لا يجوز مطلقا" التدقيق في عدالة المحكم الموضوعية او الهيئة التحكيمية لأنه من اختصاصها الاصيل وليس من اختصاص محكمة الاستئناف المقدم امامها الطعن .
أولاً: الطبيعة القانونية لحجية حكم التحكيم وفق القانون العماني
تؤكد المادة (52) أن حكم التحكيم نهائي لا يقبل المراجعة القضائية من حيث الموضوع، مما يعزز مبدأ "التحكيم كقضاء خاص" يتمتع بالاستقلال عن القضاء الرسمي. ولا يملك أي من الخصوم الطعن فيه بالاستئناف أو التمييز، حتى ولو تضمن خطأ في تطبيق القانون، ما لم يكن ذلك من خلال دعوى البطلان التي تعد طريقًا استثنائيًا منضبطًا بشروط محددة في المادتين (53) و(54).
ثانيًا: دعوى البطلان كوسيلة استثنائية للطعن
أتاح المشرّع العماني للخصم المتضرر من حكم التحكيم اللجوء إلى دعوى البطلان خلال (90) يومًا من تاريخ تبليغه بالحكم، إذا توافرت إحدى حالات البطلان المحددة، مثل عدم صحة اتفاق التحكيم، أو إخلال بحق الدفاع، أو مخالفة النظام العام. وبالتالي، فإن رقابة القضاء هنا لا تمتد إلى موضوع النزاع وإنما تقتصر على التحقق من سلامة الإجراءات وضمانات العدالة.
ثالثًا: مقارنة مع قوانين دول مجلس التعاون الخليجي
- دولة الإمارات العربية المتحدة (القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2018 بشأن التحكيم):
نصت المادة (52) منه على أن "لا يجوز الطعن في حكم التحكيم بأي طريق من طرق الطعن إلا بدعوى البطلان وفقًا للأحكام المنصوص عليها". وهو ذات الاتجاه العماني، إذ تبنّى ذات المبدأ مع حصر رقابة القضاء في إطار دعوى البطلان فقط.
- المملكة العربية السعودية (نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 لسنة 1433هـ):
نصت المادة (50) على أن "لا تقبل أحكام التحكيم الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المقررة نظامًا"، مع منح الحق في رفع دعوى البطلان خلال (60) يومًا. وهذا النص يُعد منسجمًا مع الرؤية العمانية.
- دولة قطر (قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية رقم 2 لسنة 2017):
نصت المادة (34) على أنه "لا يجوز الطعن في حكم التحكيم بأي طريق من طرق الطعن المقررة قانونًا"، وأجازت دعوى البطلان ضمن نطاق محدود ومقيد، في حالات تتعلق بعدم اختصاص هيئة التحكيم أو الإخلال بالإجراءات الجوهرية.
- مملكة البحرين (قانون التحكيم التجاري 2009):
سارت البحرين على نفس النهج، حيث نصت على عدم جواز الطعن إلا من خلال دعوى بطلان، وحدد القانون أسبابها على نحو مطابق تقريبًا للنموذج النموذجي للأونسيترال.
- دولة الكويت (قانون التحكيم رقم 11 لسنة 1995):
نص على أن "حكم التحكيم نهائي ولا يجوز الطعن فيه إلا بدعوى البطلان خلال (15) يومًا من تاريخ إبلاغ الحكم"، مما يدل على تبنّي ذات الاتجاه التشريعي في الاقتصار على دعوى البطلان فقط.
ومن خلال المقارنات القانونية يتضح من المقارنة أن التشريعات الخليجية، وعلى رأسها التشريع العماني، قد اتفقت على حظر طرق الطعن العادية في أحكام التحكيم تحقيقًا للاستقرار والفعالية في حل المنازعات. ويُعتبر هذا التوجه انسجامًا مع قانون الأونسيترال النموذجي، الذي شكّل مرجعًا في سن تشريعات التحكيم الحديثة.
إلا أن هذه النهائية لا تعني تحصين حكم التحكيم بشكل مطلق، بل تبقى دعوى البطلان وسيلة رقابية تحفظ للخصوم حقوقهم، وتضمن احترام الضوابط الشكلية والإجرائية المتفق عليها.
نختم بالقول ان المادة (52) من قانون التحكيم العماني ارست قاعدة مهمة في منظومة التحكيم، وهي "نهائية الحكم التحكيمي" وعدم قابليته للطعن بطرق الطعن المعتادة، أسوةً بالتوجهات التشريعية في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد ضمنت بذلك سرعة الفصل في النزاعات، وتحقيق الثقة في التحكيم كوسيلة ناجعة لحل المنازعات، مع الإبقاء على دعوى البطلان كضمانة قانونية متوازنة بين الاستقلال والمشروعية.
المستشار الدكتور ناجي سابق# المحكم الدولي ناجي سابق# الدكتور ناجي سابق# حكم التحكيم # التحكيم الدولي# التحكيم # المحكم# نهائية حكم التحكيم # لا يجوز الطعن بحكم التحكيم # شروط بطلان حكم التحكيم