ضمانات المتهم في التحقيق الابتدائي في سلطنة عُمان
يعتبر التحقيق الابتدائي من أخطر مراحل الدعوى العمومية، لأنه على علاقة مباشرة بحريات الأفراد وحقوقهم القانونية وحمايتهم الدستورية.
يتم في مرحلة التحقيق الابتدائي والتي يقوم بها مأموري الضبطية العدلية بجمع الأدلة، والقيام بإجراءات القبض، والتوقيف، والتفتيش، والاستجواب، وما يتصل بها من إجراءات تمسّ كرامة الإنسان وحريته.
وانطلاقًا من خطورة الاجراءات شرعت القوانين الوطنية بالتوازي مع الحماية الدولية المرتكزة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان وميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية لاسيما اتفاقيات جنيف الاربعة والبروتوكولان الاضافيان حيث كرّس للمتهم ضمانات متعددة من اجل حمايته وهو ما قام به المشرع العماني حيث نص في قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (97/99)، مراعيًا بذلك التوازن بين مصلحة المجتمع في مكافحة الجريمة، وحق الفرد في صون حريته وكرامته.
عليه وبناء لكل ما تقدم يتبين لنا ان هناك عدة ضمانات جوهرية يجب التركيز عليها وابرازها الى حيز الوجود لنشر الثقافة القانونية والوعي القانوني بها خوفا" من الوقوع في اخطاء قانونية جوهرية في الاجراء والتنفيذ وضياع الحقوق والظلم خوفا" من عدم احقاق الحق وارساء العدالة .
أولًا: ضمانات المتهم في إجراءات القبض والتوقيف
يُعتبر القبض والتوقيف أولى صور المساس المباشر بالحرية الشخصية. وقد أحاط المشرّع العُماني هذه الإجراءات بعدة ضمانات جوهرية، أبرزها:
1. إبلاغ المتهم بأسباب القبض والتهمة المسندة إليه (مادة 57 من قانون الإجراءات الجزائية).
2. عدم جواز التوقيف لأكثر من (48) ساعة أمام الضبطية القضائية، على أن يُعرض المتهم بعدها على الادعاء العام أو يُفرج عنه.
3. أن يتم الحجز في أماكن مخصصة قانونًا بما يحفظ كرامة المتهم وإنسانيته.
4. حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ أو مترجم، وضمان التواصل مع أسرته متى سمحت مقتضيات التحقيق.
5. ضرورة الرعاية الصحية للمتهم أثناء التوقيف وعرضه على طبيب بناء لطلبه، باعتبارها التزامًا على عاتق الدولة.
هذه الضمانات تستند إلى مبدأ دستوري راسخ، نصّت عليه المادة (20) من النظام الأساسي للدولة: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تُكفل له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع."
ثانيًا: ضمانات المتهم في إجراءات التفتيش
يعتبر التفتيش الشخصي او المنزلي إجراءً بالغ الخطورة، لأنه يمسّ خصوصية الأفراد ويكشف أسرارهم ومنازلهم امام جهات قضائية غريبة بالنسبة الى اصحاب المنازل لذا قيده المشرع العُماني بجملة من الضمانات، منها:
1. الحصول على إذن قضائي مسبق من الادعاء العام، بعد التحقق من جدية التحريات.
2. إجراء التفتيش بحضور المتهم أو أحد أقاربه، ضمانًا للشفافية والمصداقية القانونية
3. قصر التفتيش على الغرض المشروع، أي البحث عن الأدلة المرتبطة بالجريمة محل التحقيق فقط وعدم تعدي التفتيش لحدود الإذن وامر المهمة الى اشياء اخرى
4. عدم جواز استعمال التفتيش كوسيلة تعسفية أو للضغط على المتهم من خلال التصرفات الخارجة عن القانون والتعديات التصرفات الكيدية
5. تمييز التفتيش التحقيقي عن الوقائي والإداري، بحيث يبقى كل نوع في نطاقه القانوني المحدد وفقا" لما هو مصرح به في إذن التفتيش
تجدر الاشارة الى إن أي تفتيش يتم دون إذن قانوني أو ينفذ خارج الحدود القانونية والاوقات المحددة بالإضافة الى ضرورة اثباث الاجراء بموجب محضر يوقع اصولا" من قبل كل الحاضرين والا يُعتبر اي اجراء مما ذكر باطلًا، وتُستبعد نتائجه القانونية كدليل إدانة ويلاحق مرتكبه امام القضاء المختص لإساءة استعمال السلطة .
ثالثًا: ضمانات المتهم في مرحلة الاستجواب
الاستجواب هو الوسيلة الأساسية التي يواجه بها الادعاء العام المتهم بالأدلة القائمة ضده، وهو في الوقت ذاته وسيلة وحق دفاع للمتهم. ومن الضمانات التي كفلها المشرّع في هذه المرحلة:
1. اثبات تدوين التحقيق بالكامل بحيث لا يُعتد بأي تصريح او إفادة غير موقّعة من المتهم دون اكراه او ضغط
2. الحق في التزام الصمت وترك الحرية للمتهم في الإجابة دون اكراه او تعذيب ودون أن يُفسَّر الصمت إقرارًا بالموافقة.
3. حظر استعمال التعذيب او العنف أو الإكراه، او المعاملة اللإنسانية الحاطة من الكرامة وإبطال أي اعتراف ينتزع بالتعذيب والضغط أو التهديد تحت طائلة الملاحقة القانونية
4. عدم مخالفة القانون وتحليف المتهم اليمين لعدم تحميله عبئًا أخلاقيًا أو دينيًا في الإفصاح عن أقواله تحت طائلة المسؤولية القانونية
5. السرعة في مباشرة الإجراءات والتحقيق والاستجواب وتقديم الادلة بعد القبض، واعطاء المتهم حق الدفاع عن النفس ضمانا" للحقوق وصونا" للعدالة
6. حق الاستعانة بمحامٍ لحضور التحقيق مع المتهم لضمان سلامة الإجراءات وعدم التعسف في استعمال سلطة الاتهام.
رابعًا: رقابة القضاء على الضمانات
لم يكتفِ المشرّع بفرض الضمانات، بل رتب على مخالفتها جزاءً فوريا" حاسما" ببطلان الإجراء وما يترتب عليه. كما أن المحكمة تبسط رقابتها على كافة مراحل التحقيق للتأكد من مشروعية الإجراءات، وفي حال ثبوت بطلان إجراء ما، تستبعده من ملف الدعوى حماية لحقوق المتهم وعدالة القضية
نختم بالقول أن المشرّع العُماني قد أولى حماية المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي أهمية بالغة من خلال منظومة من الضمانات الدستورية والقانونية، تكفل التوازن بين مقتضيات العدالة الجنائية وصون كرامة الإنسان. وبذلك ينسجم التشريع العُماني مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويؤكد أن العدالة لا تتحقق فقط بملاحقة المجرم، بل كذلك بضمان محاكمة عادلة تُصان فيها حقوق المتهم منذ اللحظة الأولى للتحقيق.
لذلك قيل ان افلات مجرم من العدالة خير من إدانة بريء.
المستشار الدكتور ناجي سابق# المحكم ناجي سابق # الدكتور ناجي سابق # ضمانات التحقيق# ضمانات المتهم في التحقيق الابتدائي# افضل محكم في سلطنة عمان