الطبيعة القانونية للتحكيم
التحكيم لا ينشأ إلا نتيجة "اتفاق" طرفي النزاع عليه، ولكن القرار الذي تصدره المحكمة بعد ذلك لا يختلف في جوهره عن الحكم الذي يصدره قاضي الدولة، فكلاهما يحوز منذ صدوره حجية القضية المحكوم بها بالنسبة إلى النزاع الذي فصل فيه.
من الواضح إذن أن التحكيم نظام تعاقدي في نشأته ولكنه نظام قضائي في وظيفته، وقد جاء اختلاف الفقه حول جوهر التحكيم وما إذا كان له الطبيعة التعاقدية أم القضائية.
يمكن التفريق بين الطبيعة التعاقدية والقضائية في العديد من النواحي العملية، من ذلك مثلاً تحديد أحكام البطلان التي يمكن أن يشوب إجراءات التحكيم وحكم المحكم، إذ القول بالطبيعة التعاقدية يغري باعتماد أحكام بطلان التصرفات القانونية في (قانون الموجبات والعقود)، بينما اعتماد الطبيعة القضائية يؤدي إلى اعتماد أحكام بطلان الإجراءات في (قانون أصول المحاكمات المدنية). ومن ذلك تحديد (القانون الواجب التطبيق) على النزاع المطروح على المحكم في العلاقات الدولية، إذ القول بالطبيعة التعاقدية يؤكد الانتصار لقانون الإرادة، بينما القول بالطبيعة القضائية قد يؤدي إلى الانتصار لقانون آخر، محل التحكيم.
ذلك من خلال القوة الملزمة لحكم المحكم، إذ القول بالطبيعة التعاقدية يؤدي إلى اعتباره مجرد تطبيق لأحكام عقد التحكيم يلتزم به طرفاه بمجرد صدوره، دون أن يكون هناك مجال للمنازعة في التزامهما به من خلال طرق الطعن المقررة للأحكام القضائية، بينما القول بالطبيعة القضائية يؤدي إلى اعتباره حكماً بالمعنى الدقيق يجوز عليه ما يجوز على الأحكام القضائية".
والرأي الغالب أن التحكيم قضاء. فالمحكم يباشر ذات الوظيفة التي يقوم بها القاضي وهي حسم المنازعات. لأن اتفاق التحكيم - هو عقد- وبالتالي لا يكون قضاء التحكيم قضاءً يمثل الدولة ولا تنطبق عليه جميع قواعد قضاء الدولة وإنما تنطبق عليه في نفس الوقت قواعد مستمدة من اتفاق التحكيم ومن المبادئ العامة للقانون والنظام العام.
فالأصل أن يطبق المحكم قواعد القانون وأصول المحاكمة العادية وأن المحكم يرد بذات الأسباب التي يُردُّ بها القاضي وأنه بصدور القرار التحكيمي تخرج القضية عن يد المحكم، وإن القرار التحكيمي منذ صدوره حجية القضية المحكوم بها وهي حجية لا تمنح إلا للأعمال القضائية، وأنه تطبق على القرارات التحكيمية القواعد المتعلقة بالتنفيذ المعجل للأحكام، حيث أن القرار التحكيمي يقبل الطعن فيه بناءً لنصوص القانون.
ولأنه قضاء خاص لا تنطبق عليه جميع قواعد الدولة، فإنه لا يشترط في المحكم ما يشترطه القانون في القضاة، فيمكن أن يكون المحكم أجنبياً، كما لا يشترط في المحكم ذات المؤهلات الذي يشترطها القانون في القاضي، كما أنه لا يخضع في مسؤوليته لقواعد المسؤولية التي يخضع لها القضاة، وأنه لا يتمتع بسلطة الأمر التي يتمتع بها قاضي الدولة ومن ثم لا يمكنه الحكم بأي جزاء على من يتخلف من الشهود عن الحضور أو يصدر مذكرات جلب أو توقيف.
كذلك لا يكون لهذا القضاء أي ولاية إلا بناءً على اتفاق تحكيمي قائم وصحيح، وأن القرار التحكيمي لا يجب أن يخرج عن حدود المهمة المعينة للمحكم. وأن المحكم ليس مفروضاً على الخصوم كما يفرض عليهم قاضي الدولة، وإنما يتم تسميته بناءً على اتفاق الأطراف وثقتهم به وبأعماله وسمعته الطيبة. وهذا ما يبين مدى تداخل كل من العناصر التعاقدية والقضائية في تكوين نظام التحكيم وإعطائه طبيعته الذاتية المستقلة.
*بقلم المستشار الدكتور ناجي سابق# التحكيم التجاري #الدكتور ناجي سابق# المحكم ناجي سابق# طبيعة التحكيم #الطبيعة القضائية للتحكيم # الطبيعة التعاقدية للتحكيم # التحكيم التجاري الدولي#التحكيم # قضاء التحكيم