الاثبات بشهادة الشهود في القانون العماني
*بقلم المستشار الدكتور ناجي سابق
دكتور في الحقوق
مستشار قانوني ومحكم دولي
تُعدّ الشهادة- البينة الشخصية - إحدى وسائل الإثبات المباشرة التي يعتمد عليها القضاء في الوصول إلى الحقيقة. وهي بمثابة إخبار يصدر عن شخص -غير طرف في الخصومة- أمام القضاء، بشأن واقعة معينة تتعلق بالنزاع وتُحدث أثرًا قانونيًا للغير على الغير.
تُفَسّر الشهادة بمعاني الحضور والمعاينة والادراك والعلم بالشيئ المشهود من خلال الحواس وخاصة حاستي النظر والسمع.
واصطلاحًا، فالشهادة كما عرفها الفقهاء: «إخبار بحق للغير على الغير أمام القضاء».
أما من الناحية الإجرائية، فهي وسيلة من وسائل الإثبات يجب أن تتم وفق إجراءات محددة وشروط قانونية نص عليها المشرّع العماني في قانون الإثبات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم( 2008/68)
● اولا": الشروط القانونية لقبول شهادة الشهود
حدّد المشرّع العماني جملة من الشروط التي لا تُقبل الشهادة دون توافرها، وهي:
أ▪︎ أن تُؤدى الشهادة أمام المرجع القضائي المختص
يشترط أن يتم الإدلاء بالشهادة أمام المحكمة المختصة وأثناء انعقاد الجلسة القضائية. فكل إخبار يصدر عن الشاهد خارج مجلس القضاء، سواء أمام الشرطة أو اللجان العرفية أو مجالس الصلح، لا يعدّ من قبيل الشهادة القانونية ولا يُعتد به في الإثبات القضائي. وهذا ما يستفاد من سياق النصوص القانونية المنظمة للإجراءات القضائية، والتي تشترط علنية الشهادة وحضور القاضي والخصوم.
ب▪︎ أداء اليمين القانونية امام المحكمة المختصة
يجب على الشاهد، وفقًا للمادة (44) من قانون الإثبات العماني، أن يؤدي اليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادته، بصيغة: "أقسم بالله العظيم أن أقول الحق ولا شيء غير الحق"، أو ما يقابلها وفق ديانة الشاهد.
والغاية من اليمين هي إيقاظ ضمير الشاهد، وضمان صدقه، باعتبار أن القسم يحمل طابعًا دينيًا وأخلاقيًا وقانونيًا يُحمّل الشاهد مسؤولية قوله. ويجوز، على سبيل الاستثناء، أن تُؤدى اليمين بعد الشهادة ما دامت في نفس الجلسة وقبل مغادرة المجلس القضائي.
ج ▪︎ انتفاء المصلحة الشخصية في الشهادة وعدم وجود صلة القرابة حتى الدرجة الرابعة
يشترط أن لا تجرّ الشهادة نفعًا للشاهد، أو تدفع عنه ضررًا، إذ أن وجود مصلحة مباشرة من شأنه أن يقدح في حيادية الشاهد وعدالته. ويُترك أمر تقدير ذلك لمحكمة الموضوع بناءً على ملابسات كل واقعة على حدة.
صلة القرابة، كقرابة الدم أو المصاهرة، لا تُعدّ سببًا قانونيًا لرد الشهادة، لكنها قد تؤثر على قوتها، باستثناء ما نص عليه القانون أو ما يُستدل منه وجود مصلحة حقيقية، كما في شهادة الأب لابنه أو العكس، خشية محاباة القرابة.
د ▪︎ عدم وجود مانع قانوني من أداء الشهادة لجهة المركز الوظيفي
فقد جاء في نص المادة (40) من قانون الإثبات العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 2008/68 انه "لا يجوز للموظفين العامين والمكلفين بخدمة عامة أن يُدْلوا بالشهادة عما يكون قد وصل إلى علمهم أثناء تأدية وظائفهم، من معلومات ذات طابع سري لم يُنشر بالطريق القانوني، ما لم تأذن السلطة المختصة بذلك".
وهذا القيد يشمل كل الموظفين - مدنيين وعسكريين- كذلك يشمل الأطباء، المحامين، موظفي الأمن والجيش، المهندسين وغيرهم ممن يطّلعون على معلومات بحكم وظائفهم. ويستمر هذا الحظر حتى بعد انتهاء الخدمة ويتطلب إداء الشهادة الإذن الكتابي من المرجع الوظيفي الذين كانوا يعملون به
و▪︎ الأهلية القانونية للشاهد
تُشترط في الشاهد أهلية قانونية كاملة، أي أن يكون بالغًا سن الخامسة عشرة، عاقلًا، مميزًا. وتنص المادة (39) من قانون الإثبات على أنه: "لا تُقبل شهادة من لم يبلغ سن الخامسة عشرة، إلا على سبيل الاستئناس"، ويُشترط كذلك أن لا يكون الشاهد محكوما" عليه في جناية أو جنحة مخلّة بالشرف، ما لم يُرد إليه اعتباره وفقا" للقانون
● ثانيا" : الحجية القانونية لشهادة الشهود في قانون الإثبات.
تُعدّ الشهادة حجة ملزمة للقاضي متى استوفت شروطها وتوافقت مع وقائع الدعوى. فلا يجوز للقاضي تجاهلها أو الالتفات عنها دون مبرر قانوني، باعتبارها بينة قانونية صريحة. غير أن الشهادة لا تُنشئ الحق، بل تُظهِره، بمعنى أنها لا تُحدث مركزًا قانونيًا جديدًا، وإنما تكشف عن واقعة قائمة.
وقد أجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على أن الشهادة تُعدّ من أقوى البينات، مستدلين بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: 4]، ما يدل على مكانة الشهادة كأداة إثبات معتبرةشرعا" وقانونا"والخوف من شهادة الزور لأنها قد تؤدي الى خراب البيوت والظلم .
● ثالثا": حالات عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود
وتأكيد على ذلك فقد نصت المادة (45) من قانون الإثبات على قيود جوهرية تمنع الإثبات بالشهادة في بعض الحالات
أ ▪︎ إذا خالف الإثبات بالشهادة ما هو ثابت بدليل مكتوب
ب ▪︎ إذا كان محل الإثبات جزءًا من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة.
ج▪︎ إذا طالب أحد الخصوم بحق تزيد قيمته على ألف ريال ثم عدل عنه إلى ما لا يزيد على هذا المبلغ، فلا يجوز الإثبات بالشهادة.
د▪︎ في العقود التي يوجب القانون إثباتها كتابةً، لا يمكن اللجوء إلى الشهادة لإثباتها، إلا في حالات استثنائية كالخداع أو وجود مانع أدبي من الحصول على الكتابة.
وتستثنى من هذه القواعد الحالات التي يُجيز فيها القانون الإثبات بغير الكتابة، كوجود مانع مادي أو أدبي، أو فقدان المحرر المكتوب لسبب خارج عن إرادة صاحبه او وجود صورة عنه دون الاساس
●رابعا": شهادة الزور
لقد نصت المادة (52 ) من قانون الاثبات العماني على انه " إذا اتضح عند الحكم في موضوع الدعوى أن الشاهد شهد زورا، تحرر المحكمة محضرا بذلك وترسله إلى الادعاء العام لاتخاذ الإجراءات الجزائية اللازمة."
● خامسا" : الشهادة والاستعجال
لقد نصت المادة (53) انه "يجوز لمن يخشى فوات فرصة الاستشهاد بشاهد على موضوع لم يعرض بعد أمام القضاء ويحتمل عرضه عليه أن يطلب في مواجهة ذوي الشأن سماع هذا الشاهد، ويقدم هذا الطلب بالطرق المعتادة لقاضي الأمور المستعجلة، وتكون مصروفاته كلها على من طلبه، وعند تحقق الضرورة يحكم القاضي بسماع الشاهد متى كانت الواقعة مما يجوز إثباته بشهادة الشهود.
ويجوز للقاضي سماع شهود نفي بناء على طلب الخصم الآخر بالقدر الذي تقتضيه ظروف الاستعجال في الدعوى.
وفيما عدا ذلك تتبع في الشهادة القواعد والإجراءات المنصوص عليها في المواد السابقة. ولا يجوز في هذه الحالة تسليم صورة من محضر التحقيق ولا تقديمه إلى القضاء إلا إذا رأت محكمة الموضوع عند نظره جواز إثبات الواقعة بشهادة الشهود، ويكون للخصم الاعتراض أمامها على قبول هذا الدليل، كما يكون له طلب سماع شهود نفي لمصلحته".
● سادسا" : الاعلان والحضور في شهادة الشهود .
إذا لم يحضر الخصم شاهده أو لم يكلفه بالحضور في الجلسة المحددة قررت المحكمة أو القاضي المنتدب إلزامه بإحضاره أو بتكليفه بالحضور لجلسة أخرى، فإذا لم يفعل جاز إسقاط حقه في الاستشهاد به. ولا يخل هذا بأي جزاء آخر يرتبه القانون على هذا التأخير(المادة 45) من قانون الاثباث العماني
وإذا رفض الشاهد الحضور إجابة لدعوة الخصم أو المحكمة أو القاضي المنتدب وجب على الخصم أو أمانة السر حسب الأحوال، تكليفه بالحضور لأداء الشهادة قبل التاريخ المعين لسماعه بأربع وعشرين(٢٤) ساعة يوم واحد على الأقل، وذلك مع مراعاة مواعيد المسافة.
ويجوز في أحوال الاستعجال انقاص هذا الميعاد وتكليف الشاهد بالحضور ببرقية من أمانة السر بأمر من المحكمة أو القاضي المنتدب.
كذلك فقد نصت المادة (47) على انه إذا كلف الشاهد بالحضور تكليفا" صحيحا"ولم يحضر، جاز للمحكمة أو القاضي المنتدب في أحوال الاستعجال الشديد أن تصدر أمرا" بإحضاره.
أما في غير هذه الأحوال فيؤمر بإعادة تكليف الشاهد بالحضور إذا كان لذلك مقتض وتكون شهادته منتجة في الدعوى ، فإذا تخلف فللمحكمة أو القاضي المنتدب الحكم عليه بغرامة مقدارها عشرون ريالا عمانيا"، ويجوز للمحكمة أو القاضي المنتدب إصدار أمر بإحضاره، وللمحكمة أو القاضي المنتدب إعفاء الشاهد من الغرامة إذا حضر وأبدى عذرا" مقبولا".
ويجوز أن ينتقل القاضي المنتدب لسماع أقوال الشاهد اذا كان مانع الحضور قوي ومقنع، فإن كان التحقيق أمام المحكمة جاز لها أن تندب أحد قضاتها لذلك. وتحدد المحكمة أو القاضي المنتدب تاريخ ومكان سماع أقواله، ويعتبر النطق بهذا القرار بمثابة إعلان للخصوم للحضور لتأدية هذه الشهادة، ويحرر محضر بها يوقعه القاضي المنتدب وأمين السر.
● سابعا" : اجراءات شهادة الشهود واثباتها بالمحضر
توجه الأسئلة إلى الشاهد من المحكمة أو القاضي المنتدب، ويجيب الشاهد أولا عن أسئلة الخصم الذي استشهده ثم عن أسئلة الخصم الآخر، وإذا انتهى الخصم من استجواب الشاهد فلا يجوز له إبداء أسئلة جديدة إلا بإذن المحكمة أو القاضي المنتدب.
كذلك تثبت إجابة الشاهد في المحضر، ثم تتلى عليه، ويوقع عليها بعد تصحيح ما يرى لزوم تصحيحه منها، وإذا امتنع عن التوقيع ذكر ذلك وسببه في المحضر، ويوقع المحضر رئيس الجلسة أو القاضي المنتدب وأمين السر.
وتقدر مصاريف الشهود ومقابل تعطيلهم بناء على طلبهم، ويعطى الشاهد صورة من أمر التقدير تكون نافذة على الخصم الذي استشهد به.
● ثامنا" : شهادة الشهود في التحكيم .
في الاصل ان شهادة الشهود في التحكيم يلتزم بها الاطراف والمحكم اوهيئة التحكيم بناء" على القانون الواجب التطبيق الذي تم الاتفاق عليه وبناء" على مشارطة التحكيم او ما يعرف بالعقد التحكيمي او ما تم تحديده في وثيقة المهمة التحكيمية في الجلسة الاجرائية الاولى والموافق عليها بشكل كامل ونهائي والموقعة من الطرفين.
تجدر الاشارة الى انه يجب ان يتم سماع الشهود امام المحكم او هيئة التحكيم بدون اداء اليمين القانونية (المادة ٣٣ -٤) من قانون التحكيم
كذلك اجاز قانون التحكيم العماني لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة بناء على طلب هيئة التحكيم الحكم على من يتخلف عن الحضور من الشهود او يمتنع عن الاجابة بغرامة تددها المحكمة ويكون هذا القرار غير قابل للطعن وله القوة التنفيذية الملزمة.
* بقلم المستشار الدكتور ناجي سابق*
# د.ناجي سابق# الدكتور ناجي سابق# الاثبات بشهادة الشهود # الشاهد # التحكيم التجاري# شهادة الشهود في التحكيم # البينة الشخصية في الثبات #